أنا حزين.. (6)..المجاملة.. طعمها لذيذ شرط ألا تبتلعها

(ياسر قشلق)
 
لطالما حاولت تلافي تقديم إجابةٍ عن سؤال بعض المقربين مني والمتعلق بالأسباب الكامنة وراء غوصي بالعمل السياسي، حيث اعتبرت أن إجابتي على هكذا سؤال ستكون «ساذجة» لا يمكن تبريرها بأي حالٍ من الأحوال، لكن السؤال مؤخّراً بات ملحّاً أكثر، خاصةً مع وصف بعضهم لتعاطي الإعلامي مع بعض الشخصيات والقضايا السياسية بأنه «حادٌ» وأحياناً «إشكالي»، الأمر الذي يفرض عليّ اليوم تقديم إجابةٍ، وإن مختصرة، على سؤالٍ كنت أرى أنه لا يعنيني.للحظةٍ من اللحظات تبدو سلسلة الأسئلة التي تبدأ بـ«لماذا» تعمل بالسياسة؟ ولا تنتهي بـ«ماذا» ستضيف؟ مُبررةٌ منطقياً لكن على مستوى ضيّق جدّاً وذلك لضيق الرؤية النقدية نفسها، فصحيحٌ أني أبدو للبعض «رجل أعمال» لا شيء يدعوه لإحاطة مشاريعه بجوٍّ من التوتر يفرضه العمل السياسي.. لكن الصحيح أيضاً أن «رجل الأعمال» هذا يحلم أن يعمل يوماً على أرضٍ انتماؤه لها «افتراضياً» يذبحه في كل أرضٍ لا تنتمي إليه! والأصح أن فلسطينيّاً عاش عمره بعيداً عن تراب وطنه، وهو يحمل أبشع صفة بالعالم «لاجئ»، لا يُسأل عن «قصته مع السياسة»، لأنه «قصة السياسة» نفسها.. وفلسطينيٌّ يرى أن ذاكرته الفلسطينية تسرق وبأيدي الفلسطينيين أنفسهم لا يُسأل «ماذا سيضيف لقضيته» لأنه القضية ذاتها من ألفها إلى يائها!..
ياسر قشلق

الأهم من ذلك كله بنظري هو كيف يمكن لـ«رجل الأعمال الفلسطيني» أن يمارس أعماله بعيداً عن السياسية وهو فاقدٌ لهويته الفلسطينية؟ الهوية بالمعنى الطبيعي والمعتاد للمفهوم والذي يمارسه العالم بأسره. نعم؛ يمكن لرجل الأعمال في أميركا أو الصين أو حتى في الكونغو أن يقتصر نشاطه على الأعمال فقط، إلا أن مطالبة الفلسطيني بذلك تتحول لنوعٍ من الظلم والتجني، بل وحتى التآمر على أضعف ما يمكن أن يُقدمه رجلٌ عشق وطنه فلسطين وأحب أن يعبر عن ذلك العشق بصوتٍ مرتفع دون مواربةٍ.فلنتأمل اليوم المشهد السياسي المحيط بفلسطين جيداً قبل تداول أسئلة ساذجة وسخيفة حول أحقية العمل السياسي، ولنرجع لتوضيح الرؤية أكثر إلى سبعينيات القرن الماضي حين استعادت مصر أراضيها من خلال التفاوض مع إسرائيل ووصفت ذلك (تحريراً) ووصفه العالم العربي (خيانة)، وإلى عام 2000 أيضاً حين استعاد لبنان جنوبه من خلال مقاومة إسرائيل ووصف العالم بأسره ذلك (تحريراً)، أرجع بالذاكرة لهاتين الحقبتين لأقول: إن الساحة الفلسطينية امتلكت على مدار ستين عاماً ما اعتبره العالم مفاوضون ومقاومون، وبأشكال مختلفة من شيوعيين إلى إسلاميين، لكن ومع الأسف إن أرضاً لم تستعاد وتحريراً لم يحدث، وصولاً إلى أن جاء اليوم الذي أصبحنا نفتقد فيه مبررات التفاوض وأدوات المقاومة. أوليس مبرراً لنا، والحال السياسية في فلسطين على هذه الصورة المحبطة من السكون المحير، أن نبدي رأينا في قضيتنا؟ أليس من حقنا كرجال أعمال فلسطينيين دعم وجودنا في أرضنا لنواجه ما يفعله رجال الأعمال الصهاينة من بناء مستوطنات وتوريد أسلحة؟ ألا يحق لنا سواء أكنا رجال أعمال أو مثقفين أو أي شيء آخر أن نثور على اختزال قضيتنا في خلافات فتح وحماس وأن نبدأ الحديث عن أحزاننا بتفاصيل تكون أكثر تعبيراً عن آلامنا؟! ألا يحق لنا أن نمارس السياسة وقد ولدنا سياسيين؟!أمّا عن طريقة تعاطي (الحاد والإشكالي) مع بعض الشخصيات والقضايا السياسية كما يصف ذلك البعض، أسأل: ألم نمل بعد من المواربة والكذب على أنفسنا؟ ألم نكتفي من مجاملات الصالونات الفارغة في أوربا وأميركا؟! إن المجاملة كما يقول الكاتب الفرنسي ستيفنسون (طعمها لذيذ شرط ألا تبتلعها)، وفي تصوري حان الوقت الذي نتوقف فيه عن التعاطي مع فلسطين بهذه الطريقة البشعة، ففلسطين ليست مُلك أحدهم حتى نجامله نحن ويبتلعها هو!ثم لا يعقل أن أجامل أحداً بشيءٍ يتصل بفلسطين، ولطالما كنت أقول بمناسبات لا ترق أبداً لمستوى هذه القضية: إن الصدق والصراحة يجعلانك عرضة لأذى الآخرين.. كن صادقاً وصريحاً رغم ذلك.قضيتي ببساطة فلسطين؛ وأنا كرجل أعمال يمكن لي إحاطة مشاريعي بعشرات الاختصاصيين والخبراء ممن لهم القدرة على إدارة أعمالي أفضل مني، لكني لن آمن بعد اليوم على قضيتي أحد غيري، فلا وجود لسياسيٍّ في العالم يتعاط مع فلسطين أفضل مني، ولا وجود لقلمٍ في العالم يعبر عن أحزان فلسطين أفضل من قلمي..